Logo
Law July 11, 2026

مكتب محمد الحايكي للاستشارات القانونية والوساطة

Author
By Admin User Editor

 

مكتب محمد الحايكي للاستشارات القانونية والوساطة

التحكيم  •  الوساطة  •  التوفيق  •  فض المنازعات

الوسائل البديلة لتسوية المنازعات

دور المحكم والوسيط في تحقيق العدالة الناجزة

إعداد: الأستاذ محمد الحايكي  —  محامٍ ومستشار قانوني، ومحكّم ووسيط معتمد

لم يعد اللجوء إلى القضاء الطريق الوحيد لحسم المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والشركات، سواء في المعاملات التجارية أو المدنية أو الأسرية. فقد أفرزت التطورات الاقتصادية المتسارعة، وتزايُد حجم المعاملات وتعقّدها، حاجةً ملحّة إلى وسائل أكثر مرونةً وسرعةً وسريةً لحسم الخلافات، دون إخلال بالضمانات القانونية التي يكفلها النظام القضائي. ومن هنا برزت “الوسائل البديلة لتسوية المنازعات” كمنظومة متكاملة تضمّ التفاوض والتوفيق والوساطة والتحكيم، بوصفها أدوات قانونية معترفاً بها تشريعياً، لا مجرد ترتيبات ودية عرفية.

وقد أدركت مملكة البحرين أهمية هذا التحوّل مبكراً، فسنّت تشريعات نوعية واكبت أفضل الممارسات الدولية، وأنشأت مؤسسات متخصصة لإدارة هذه الوسائل، حتى غدت من الدول الرائدة إقليمياً في مجالَي التحكيم والوساطة. ويستعرض هذا المقال أبرز وسائل تسوية المنازعات، مع التركيز على دوري “المحكم” و“الوسيط” بوصفهما ركيزتَي هذه المنظومة، وما تحقّقانه من فوائد عملية وقانونية لأطراف النزاع.

أولاً: منظومة الوسائل البديلة لتسوية المنازعات

يمكن تصنيف وسائل تسوية المنازعات، بحسب درجة تدخّل الطرف الثالث ومدى إلزامية نتيجتها، على النحو التالي:

•        التفاوض المباشر: حوار مباشر بين أطراف النزاع دون تدخّل طرف ثالث، بهدف الوصول إلى تسوية ودية.

•        التوفيق: تدخّل شخص محايد (الموفِّق) يقارب بين وجهات النظر ويقترح حلولاً، دون أن يتجاوز دوره حدود الاقتراح.

•        الوساطة: عملية أكثر تنظيماً يتدخّل فيها “الوسيط” بمنهجية محددة لمساعدة الأطراف على التوصل بأنفسهم إلى تسوية، دون أن تكون له سلطة فرض الحل.

•        التحكيم: وسيلة قضائية بديلة يعهد فيها الأطراف إلى “هيئة تحكيم” باتفاق مسبق، لإصدار حكم مُلزم وقطعي في النزاع محل الخلاف.

•        التقاضي: اللجوء إلى المحاكم الرسمية للفصل في النزاع وفق قواعد المرافعات، وتبقى الوسائل البديلة مكمِّلة له لا بديلاً كاملاً عنه في جميع الأحوال.

وتتميّز الوساطة والتحكيم عن سائر هذه الوسائل بأن كلاً منهما ينظّمه تشريع خاص نافذ في مملكة البحرين، الأمر الذي يمنح الاتفاقات والأحكام الصادرة عنهما قوةً تنفيذية معترفاً بها قانوناً، على النحو الذي سيرد تفصيله لاحقاً.

ثانياً: الوساطة ودور الوسيط في حسم النزاع

1. التعريف القانوني

عرّف المرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2019 بشأن الوساطة لتسوية المنازعات، الوساطةَ بأنها: “كل عملية يطلب فيها الأطراف من شخص آخر يُسمى الوسيط مساعدتهم في سعيهم للتوصل إلى تسوية في نزاع قائم بينهم عن علاقة قانونية عقدية أو غير عقدية، دون أن تكون للوسيط صلاحية فرض حل للنزاع”. ويميّز القانون بين “الوسيط المعتمد” المقيَّد في جدول الوسطاء المعتمدين، و“الوسيط الخارجي” الذي يتفق عليه الأطراف من خارج هذا الجدول.

2. دور الوسيط

الوسيط شخص محايد ومستقل لا يملك سلطة إصدار حكم أو فرض حل، بل تنحصر مهمته في:

•        تهيئة أجواء حوار بنّاء بين الأطراف بعيداً عن التصعيد.

•        تقريب وجهات النظر واستكشاف المصالح الحقيقية وراء المواقف المُعلَنة.

•        اقتراح صيغ توفيقية عملية تراعي مصالح الطرفين معاً.

•        الحفاظ على سرّية تامة لكل ما يُطرح أثناء جلسات الوساطة.

وينتهي دوره عند توصّل الأطراف إلى اتفاق تسوية يوقّعانه بإرادتهما الحرة، وهو ما يمنح هذا الاتفاق قوة العقد المُلزم بين طرفيه، بل يكتسب في أحوال عديدة صفة السند التنفيذي متى تم توثيقه وفق الإجراءات القانونية المقررة.

3. فوائد الوساطة

•        السرعة: حسم غالبية المنازعات خلال جلسات محدودة، مقارنةً بما قد تستغرقه درجات التقاضي المتعاقبة من سنوات.

•        السرية: عدم علنية الجلسات أو الاتفاق النهائي، خلافاً لعلنية التقاضي.

•        خفض التكاليف: تقليص الرسوم القضائية وأتعاب المحاماة الممتدة عبر درجات التقاضي المختلفة.

•        الحفاظ على العلاقات: ملاءمتها الخاصة للمنازعات الأسرية والتجارية المستمرة التي يحرص أطرافها على استمرار التعامل بعد حسم الخلاف.

•        مرونة الحل: إمكانية الوصول إلى حلول مبتكرة يتعذّر على القاضي الحكم بها لتقيّده بحدود الطلبات المطروحة أمامه.

ثالثاً: التحكيم ودور المحكم في حسم النزاع

1. الإطار القانوني

يخضع التحكيم في مملكة البحرين لأحكام المرسوم بقانون رقم (9) لسنة 2015 بإصدار قانون التحكيم، الذي تبنّى نصوص قانون “الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي” لعام 1985 المعدَّل في عام 2006 بكامل أحكامه، مضيفاً إليها أحكاماً تتعلق بتمثيل الأطراف ومسؤولية المحكَّمين. كما انضمت المملكة إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها منذ عام 1988، لتكون من أوائل دول الخليج انضماماً إليها، بما يضمن قابلية تنفيذ الأحكام الصادرة في البحرين في أكثر من 170 دولة منضمة إلى الاتفاقية حول العالم، وتنفيذ الأحكام الأجنبية الصادرة في تلك الدول داخل البحرين بالمقابل.

2. دور المحكم

خلافاً للوسيط، يتمتع المحكم بسلطة قضائية بديلة يستمدها من اتفاق الأطراف، سواء أوردَ في صورة شرط تحكيم ضمن العقد أو في صورة مشارطة تحكيم مستقلة، إذ يتولى:

•        فحص المستندات وسماع أقوال الأطراف والشهود والخبراء وفق إجراءات يتفق عليها الطرفان أو تحددها لائحة التحكيم المختارة.

•        تكييف النزاع قانونياً، وتطبيق القانون أو قواعد العدالة والإنصاف المتفق عليها بين الأطراف.

•        إصدار حكم تحكيم مُسبَّب، مُلزم للأطراف، وواجب النفاذ بمجرد صدوره، لا يقبل الطعن فيه إلا بدعوى البطلان في الأحوال المحددة حصراً بالقانون.

ويُشترط في المحكم توافر الحيدة والاستقلال التامَّين عن طرفي النزاع، والكفاءة القانونية أو الفنية اللازمة لفهم موضوع النزاع، لا سيما في المنازعات ذات الطابع المصرفي أو الهندسي أو التأميني التي تتطلب خبرة متخصصة.

3. فوائد التحكيم

•        الإلزام والنهائية: صدور حكم قطعي غير قابل للاستئناف، مما يقطع أمد النزاع نهائياً.

•        قابلية التنفيذ دولياً: بفضل اتفاقية نيويورك، يسهل تنفيذ حكم التحكيم الصادر في البحرين في أكثر من 170 دولة موقِّعة على الاتفاقية حول العالم.

•        حرية اختيار المحكم: إمكانية اختيار محكَّم ذي خبرة متخصصة تتناسب مع طبيعة النزاع محل الخلاف.

•        السرية: عدم نشر وقائع الجلسات أو تفاصيل الحكم، خلافاً لعلنية الأحكام القضائية.

•        مرونة الإجراءات: حرية الأطراف في تحديد لغة التحكيم ومكانه والقانون الواجب التطبيق والجدول الزمني للجلسات.

رابعاً: الإطار المؤسسي في مملكة البحرين

عزّزت مملكة البحرين مكانتها كمركز إقليمي رائد للتحكيم والوساطة من خلال عدة ركائز مؤسسية، أبرزها:

•        غرفة البحرين لتسوية المنازعات (BCDR-AAA): أُنشئت بموجب المرسوم بقانون رقم (30) لسنة 2009 وتعديلاته، بالشراكة مع جمعية التحكيم الأمريكية (AAA)، وتضم شعبتين: محكمة متخصصة تختص بالمنازعات التي تزيد قيمتها على 500 ألف دينار بحريني وتشمل مؤسسة مالية مرخصة أو تكون ذات طابع تجاري دولي، ومركزاً دولياً للتحكيم والوساطة يختص بالمنازعات المتفق على إحالتها إليه.

•        جدول الوسطاء المعتمدين: المنظَّم بموجب المرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2019، والذي يتيح للأطراف اختيار وسيط معتمد مقيَّد فيه، أو الاتفاق على وسيط خارجي.

•        مركز التحكيم التجاري الخليجي: أحد أقدم مؤسسات التحكيم الإقليمية ومقره مملكة البحرين، ويخدم منازعات دول مجلس التعاون الخليجي.

وقد جعل هذا الإطار التشريعي والمؤسسي المتكامل من البحرين وجهةً موثوقة لتوطين إجراءات التحكيم والوساطة، سواء للمنازعات المحلية أو الدولية.

خامساً: التحكيم أم الوساطة؟ مقارنة عملية

يتوقف اختيار الوسيلة الأنسب على طبيعة النزاع والعلاقة بين أطرافه ومدى حاجتهم إلى حكم قطعي ملزم، ويوضح الجدول التالي أبرز أوجه المقارنة بين الوسيلتين:

معيار المقارنة

الوساطة

التحكيم

طبيعة النتيجة

اقتراح غير مُلزم يتحوّل إلى اتفاق مُلزم بموافقة الطرفين

حكم قطعي مُلزم للطرفين بمجرد صدوره

سلطة الطرف الثالث

تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر دون فرض حل

الفصل في موضوع النزاع وإصدار حكم فيه

درجة السرية

تامّة في الجلسات والنتيجة

تامّة في الجلسات والحكم

التكلفة والزمن

الأقلّ تكلفةً وزمناً في الغالب

أعلى من الوساطة، وأقلّ من التقاضي غالباً

قابلية التنفيذ

كعقد بين الطرفين، وكسند تنفيذي إذا وُثِّق وفق الإجراءات القانونية

كحكم قضائي نافذ، ودولياً وفق اتفاقية نيويورك لعام 1958

أنسب أنواع المنازعات

الأُسرية، والتجارية المستمرة، والعلاقات طويلة الأمد

التجارية والاستثمارية والفنية المعقدة

الإطار القانوني في البحرين

المرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2019

المرسوم بقانون رقم (9) لسنة 2015

 

سادساً: القيمة المضافة لاختيار محكم ووسيط متخصصين

لا تتحقق فوائد الوساطة والتحكيم تلقائياً بمجرد اللجوء إليهما، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكفاءة القائم بالمهمة ونزاهته وخبرته. فالمحكم أو الوسيط المتمرّس هو من يوازن بدقة بين الإلمام بأصول القانون والإجراءات من جهة، والحس العملي في إدارة الحوار وفهم خلفيات النزاع التجارية أو الأسرية أو المهنية من جهة أخرى. ومن هنا تبرز أهمية الاستعانة بمتخصص حاصل على اعتماد رسمي كمحكم ووسيط، وذي خبرة عملية ممتدة في تسوية المنازعات داخل دول مجلس التعاون الخليجي، بما يضمن إدارة النزاع بمهنية عالية، وسرية تامة، وفي أقصر وقت ممكن، وبما يحفظ لأطراف النزاع حقوقهم ومصالحهم على حدٍّ سواء.

خاتمة

لم تعد الوسائل البديلة لتسوية المنازعات خياراً ثانوياً يُلجأ إليه عند العجز عن التقاضي، بل غدت أداة استراتيجية يعتمدها رجال الأعمال والمستثمرون والأسر على حدٍّ سواء، لما توفره من سرعة وسرية ومرونة، مع الحفاظ الكامل على الضمانات القانونية. وسواء اختار أطراف النزاع طريق الوساطة سعياً وراء تسوية ودية تحفظ العلاقة المستقبلية بينهما، أو طريق التحكيم طلباً لحكم مُلزم وقطعي يضع حداً نهائياً للنزاع، يبقى نجاح المسار في الحالتين رهيناً باختيار محكم أو وسيط يتحلى بالحياد والكفاءة والخبرة اللازمة لإدارة هذه العملية بما يليق بثقة الأطراف.

 

نبذة عن الكاتب

الأستاذ محمد الحايكي، محامٍ ومستشار قانوني بخبرة تتجاوز 25 عاماً في دول مجلس التعاون الخليجي، حاصل على اعتماد كوسيط ومحكّم خليجي، وخبير محاسبة قضائية، ومترجم قانوني معتمد لدى المحاكم. يرأس “مكتب محمد الحايكي للاستشارات القانونية والتوفيق” الكائن في المنطقة الدبلوماسية بمملكة البحرين، والذي يقدّم خدماته في التقاضي والتحكيم والوساطة والتوفيق، إلى جانب الاستشارات القانونية والتجارية والأسرية، لعملائه من الأفراد والشركات في مملكة البحرين ودول الخليج العربي.

 

 

 

 

Share this story:
Author

Mohamed J Alhayki

Mohamed J. Alhayki is a prominent business leader in Bahrain. As the CEO of Alhayki Holding, Danamore Real Estate, and Blue Sapphire Spa, he brings decades of market expertise to the luxury property and wellness sectors.

View all articles by Mohamed

Comments (0)

No comments yet. Be the first to share your thoughts!

Leave a Comment

Categories

Newsletter

Subscribe to get the latest stories and updates delivered to your inbox.

Explore the World
With Purpose

Get travel tips, destination guides, and inspiring stories straight to your inbox.

Join Now

You Might Also Like