Logo
Law July 31, 2026

مبدأ «الأصل في الإنسان البراءة» دراسة تأصيلية وتحليلية مقارنة في ضوء النظريات الفقهية والمواثيق الدولية وتشريعات دول مجلس التعاون الخليجي والقوانين المقارنة

Author
By Admin User Editor

 مبدأ «الأصل في الإنسان البراءة»

دراسة تأصيلية وتحليلية مقارنة في ضوء النظريات الفقهية والمواثيق الدولية وتشريعات دول مجلس التعاون الخليجي والقوانين المقارنة

إعداد: الدكتور محمد جعفر منصور الحايكي

محامٍ ومستشار قانوني — محكّم معتمد على مستوى دول مجلس التعاون — وسيط معتمد — خبير محاسبة قضائية — مترجم قانوني معتمد لدى المحاكم مكتب محمد الحايكي للاستشارات القانونية والوساطة — مملكة البحرين

ملخّص الدراسة

يتناول هذا المقال مبدأ افتراض البراءة بوصفه القاعدة الحاكمة للخصومة الجنائية، والضمانة الجوهرية التي تتوازن بها سلطة الدولة في العقاب مع حق الفرد في الحرية والكرامة. ويسعى إلى تجاوز الطرح التقليدي الذي يكتفي بترديد العبارة الدستورية «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، ليغوص في الأساس الفلسفي للمبدأ، وفي الخلاف الفقهي حول تكييفه القانوني بين كونه «قرينة قانونية» أو «حالة قانونية أصلية»، وفي أصوله في الشريعة الإسلامية التي سبقت الفكر القانوني الوضعي بقرون، ثم في تجلياته في المواثيق الدولية، وفي مقارنة تشريعية بين دول مجلس التعاون الخليجي الست، وبينها وبين أبرز النظم القانونية في العالم. ويختم برصد التحديات المعاصرة التي تهدّد المبدأ — من القرائن القانونية العكسية، والحبس الاحتياطي المطوّل، والمحاكمة الإعلامية، إلى الخوارزميات التنبؤية — وبجملة من التوصيات العملية.

المقدمة

لا تُقاس حضارة النظم القانونية بشدّة عقوباتها، بل بمقدار ما توفّره من ضمانات لمن يقف أعزل أمام سلطة الاتهام. ومن بين هذه الضمانات جميعًا، يقف مبدأ «الأصل في الإنسان البراءة» موقف الأصل الذي تتفرّع عنه سائر الضمانات، حتى قيل بحق إنه ليس ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة، بل هو الضمانة التي تولّد الضمانات.

وتنبع أهمية هذا المبدأ من طبيعة المواجهة الجنائية ذاتها: فهي مواجهة غير متكافئة بين فرد يملك حريته وحدها، وبين دولة تملك أجهزة الضبط والتحقيق والخبرة والسجون. ولو تُرك هذا الاختلال على حاله، لانقلبت الخصومة الجنائية إلى إجراء شكلي تُصادَق فيه على الاتهام لا يُختبَر. ومن هنا جاء المبدأ ليعيد التوازن، فيضع عبء الإثبات كاملًا على عاتق سلطة الاتهام، ويجعل الشك — أيًّا كان مصدره — في مصلحة المتهم.

وقد شهد المبدأ في العقود الأخيرة توسّعًا في المضمون وضيقًا في التطبيق في آنٍ واحد: توسّعًا لأن القضاء الدستوري والقضاء الإقليمي لحقوق الإنسان مدّا نطاقه ليشمل مرحلة ما قبل المحاكمة، وتصريحات المسؤولين العموميين، والمعالجة الإعلامية للقضايا؛ وضيقًا لأن تشريعات مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والجريمة المنظّمة والفساد أنشأت قرائن عكسية تنقل عبء الإثبات إلى المتهم في صور متزايدة.

وتهدف هذه الدراسة إلى تقديم معالجة متكاملة للمبدأ: تأصيلًا، وتنظيرًا، وتقنينًا، ومقارنة. وتنتظم في تسعة مباحث، تسبقها هذه المقدمة وتليها خاتمة بأهم النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: ماهية المبدأ وتطوّره التاريخي

المطلب الأول: التعريف اللغوي والاصطلاحي

«البراءة» في اللغة من بَرِئ يَبرَأ بَراءةً، بمعنى التخلّص والتنزّه والخلوّ من العيب أو التبعة، ومنه «برئت الذمة» أي خلَت من الالتزام. أما اصطلاحًا فيُقصد بمبدأ افتراض البراءة أن كل إنسان يُعدّ بريئًا من أي اتهام يُنسب إليه، ويظل متمتعًا بهذه الصفة في جميع مراحل الدعوى — من الاستدلال إلى التحقيق إلى المحاكمة — إلى أن يصدر ضده حكم بات بالإدانة من محكمة مختصة، بعد محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع.

ويُلاحظ أن الصياغة العربية الدارجة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» أضيق من الصياغة الأصلية للمبدأ. فالمبدأ في جوهره لا يخاطب «المتهم» وحده، وإنما يخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا؛ ولهذا كان التعبير الفقهي الأدقّ هو «الأصل في الإنسان البراءة»، لأن صفة الاتهام ذاتها لا تنشأ إلا بعد إجراء، والمبدأ يسبق الإجراء ويحكمه.

المطلب الثاني: التطوّر التاريخي للمبدأ

لم يكن المبدأ وليد لحظة تاريخية واحدة، بل تراكمت جذوره على النحو الآتي:

      في القانون الروماني: عُرفت قاعدة أن عبء الإثبات يقع على المدّعي لا على المنكر (ei incumbit probatio qui dicit, non qui negat)، كما عُرفت قاعدة «في حال الشك يُفضَّل جانب المتهم» (in dubio pro reo).

      في الشريعة الإسلامية: استقرّت القاعدة الأصولية «الأصل براءة الذمة»، وقاعدة «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، منذ القرن الأول الهجري، وهو سبق تاريخي معتبر على الفكر القانوني الأوروبي بأكثر من عشرة قرون (وسيأتي تفصيله في المبحث الخامس).

      في العصور الوسطى الأوروبية: تراجع المبدأ تراجعًا حادًّا في ظل نظام التحقيق التفتيشي (Inquisitorial System) الذي جعل الاعتراف «سيّد الأدلة»، وأباح التعذيب وسيلةً لانتزاعه، وقلَب الأصل فجعل المتهم مطالبًا بإثبات براءته.

      عصر التنوير: مثّل الانعطافة الكبرى، حين هاجم الفقيه الإيطالي شيزاري بكاريا في مؤلَّفه «في الجرائم والعقوبات» (1764) نظام التعذيب والاتهام المسبق، وقرّر أن الإنسان لا يمكن أن يُوصف بأنه مذنب قبل صدور الحكم، وأن المجتمع لا يستطيع أن يرفع عنه حمايته قبل ثبوت مخالفته للعقد الذي بموجبه مُنح تلك الحماية.

      التقنين الدستوري: تُوّج ذلك بالنص الشهير في المادة (9) من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس 1789، والذي قرّر أن كل إنسان يُفترض بريئًا إلى أن يُعلن مذنبًا، وأنه إذا رُئي من الضروري القبض عليه فإن كل قسوة لا تكون لازمة لضبطه يجب أن يقمعها القانون بشدّة.

      التدويل: انتقل المبدأ إلى المستوى العالمي بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948، ثم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، ومنهما إلى الدساتير الوطنية.

المبحث الثاني: الأساس الفلسفي والنظريات المفسِّرة للمبدأ

لا يُفهم المبدأ فهمًا صحيحًا بمعزل عن الأسس الفكرية التي قام عليها والمدارس التي تنازعت حوله. وفيما يلي أبرز هذه النظريات:

أولًا: نظرية العقد الاجتماعي

ترى هذه النظرية — في صياغتها لدى جان جاك روسو وتفريعاتها لدى بكاريا — أن الأفراد تنازلوا عن جزء يسير من حرياتهم للمجتمع مقابل حماية الباقي، وأن سلطة العقاب ليست إلا الحدّ الأدنى اللازم لصون هذا العقد. ويترتب على ذلك أن الفرد يظل متمتعًا بحماية العقد الاجتماعي ما لم يثبت — بيقين — أنه هو الذي نكث به. فالإدانة إذن استثناء يجب إثباته، والبراءة هي الوضع التعاقدي الأصلي.

ثانيًا: المدرسة التقليدية (الكلاسيكية)

قامت المدرسة التقليدية — بزعامة بكاريا وبنتام وفويرباخ — على فكرة «حرية الاختيار» و«المسؤولية الأخلاقية»؛ فالإنسان مسؤول لأنه مختار، ولا يُسأل إلا عن فعل ثابت في حقه. ومن ثم فإن افتراض البراءة نتيجة منطقية لمبدأ الشرعية «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»: فكما لا يُعاقب الفعل إلا بنص سابق، لا تُنسب الجريمة إلى شخص إلا بدليل قاطع.

ثالثًا: المدرسة الوضعية ونقدها للمبدأ

على النقيض، هاجمت المدرسة الوضعية الإيطالية — لومبروزو وفيري وغاروفالو — المبدأ هجومًا صريحًا. فقد انطلقت من الحتمية الإجرامية ومن فكرة «الخطورة الإجرامية» بديلًا عن المسؤولية الأخلاقية، ورأت أن حماية المجتمع تقتضي التدخل الوقائي قبل ثبوت الجريمة. وذهب إنريكو فيري إلى أن افتراض البراءة يفقد مبرّره كليًّا في حالات التلبّس والاعتراف والعَود، بل نادى بقصر الافتراض على المتهمين المبتدئين في الجرائم غير الخطيرة.

وقد رُدّ على هذا النقد بأنه يخلط بين «الاحتمال» و«اليقين»؛ فالتلبّس والاعتراف قرائن تُقدَّم إلى القاضي ليقدّرها، ولا تُغني عن المحاكمة ولا تُعفي سلطة الاتهام من الإثبات، لأن الاعتراف قد يكون وليد إكراه أو مرض نفسي أو تضحية بالنفس عن الغير، والتلبّس قد يخفي وراءه سببًا للإباحة أو مانعًا للمسؤولية. ثم إن الأخذ بمنطق المدرسة الوضعية يفتح الباب لعقاب الأشخاص على ما يُتوقَّع منهم لا على ما ارتكبوه، وهو نقيض دولة القانون.

رابعًا: مدرسة الدفاع الاجتماعي الجديد

حاولت هذه المدرسة — على يد فيليبو غراماتيكا ثم مارك أنسل — التوفيق بين حماية المجتمع وحماية الفرد، فأبقت على افتراض البراءة كضمانة إجرائية لا يجوز المساس بها، وأقرّت في الوقت ذاته بمشروعية التدابير الاحترازية بشرط أن تكون لاحقة على حكم قضائي، وأن تخضع لرقابة قضائية دورية، وألا تُتخذ ذريعة لعقوبة بلا إدانة.

خامسًا: النظرية الشكلية والنظرية الموضوعية

انقسم الفقه الإجرائي في تحديد نطاق المبدأ إلى اتجاهين: يرى الاتجاه الشكلي (الضيّق) أن المبدأ قاعدة في الإثبات فحسب، مؤدّاها أن عبء إثبات الاتهام يقع على النيابة العامة، وأن الشك يُفسَّر لمصلحة المتهم، وأن أثره ينحصر في مرحلة المحاكمة. أما الاتجاه الموضوعي (الواسع) — وهو الراجح والأكثر اتساقًا مع التطور القضائي المعاصر — فيرى أن المبدأ قاعدة موضوعية تحكم مركز الفرد القانوني في مواجهة الدولة منذ أول لحظة اشتباه، فتمتد آثاره إلى الاستدلال والقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي والمعاملة الإعلامية والتصريحات الرسمية.

المبحث الثالث: التكييف القانوني للمبدأ — قرينة أم حالة؟

من أدقّ المسائل النظرية في هذا الباب مسألة التكييف: هل البراءة «قرينة قانونية» أم «حالة قانونية أصلية»؟ وللمسألة أثر عملي بالغ لا يجوز إغفاله.

أولًا: اتجاه القرينة القانونية

يذهب جانب من الفقه — ومنه صياغة أغلب النصوص الدستورية العربية — إلى أن البراءة «قرينة قانونية» (Présomption légale) استنبطها المشرّع من الغالب في أحوال الناس، إذ الغالب في البشر الاستقامة، والجريمة استثناء. ومن ثم يتمتع المتهم بهذه القرينة إلى أن يقوم الدليل على عكسها.

وقد وُجّه إلى هذا التكييف نقد وجيه مؤدّاه أن القرينة بطبيعتها تقوم على استنباط أمر مجهول من أمر معلوم، وتحتمل إثبات العكس من خصمها بشروط، بل قد يقلبها المشرّع أو يقيّدها. وهذا يُضعف المبدأ ويجعله رهنًا بإرادة المشرّع العادي، بينما هو في حقيقته قاعدة تعلو على القانون العادي.

ثانيًا: اتجاه الحالة القانونية الأصلية (الراجح)

يذهب الاتجاه الراجح — وهو ما استقرّ عليه جانب معتبر من الفقه الجنائي الفرنسي والمصري — إلى أن البراءة ليست قرينة مستنبطة، وإنما هي «حالة قانونية» (État juridique) ملازمة للشخصية الإنسانية، ثابتة بأصل الخلقة لا بحكم الاستنباط. فالإنسان يولد بريئًا، وليست براءته نتيجة استدلال يقوم به المشرّع، بل هي الوضع الطبيعي الذي لا يزول إلا بحكم قضائي بات.

وأثر هذا التكييف بالغ الأهمية عمليًّا؛ إذ يترتب عليه:

      أن المبدأ لا يقبل التنازل عنه من المتهم، لأنه ليس حقًّا شخصيًّا محضًا بل نظام عام.

      أن المشرّع العادي لا يملك إهداره، وأن أي نص يقلب عبء الإثبات إهدارًا كاملًا يكون مخالفًا للدستور.

      أن نطاقه لا ينحصر في الإثبات، بل يمتد إلى المعاملة الواجبة للمتهم في جميع المراحل.

      أن حكم البراءة لا يُنشئ البراءة وإنما يكشف عن استمرارها، ولهذا لا يجوز الطعن في براءة المتهم بعد الحكم البات بها.

المبحث الرابع: الآثار والنتائج القانونية المترتبة على المبدأ

لا يقف المبدأ عند حدّ الإعلان النظري، بل تتفرّع عنه منظومة متكاملة من القواعد الإجرائية، أهمها:

1) وقوع عبء الإثبات على سلطة الاتهام

فالنيابة العامة هي المكلَّفة بإثبات أركان الجريمة ونسبتها إلى المتهم، ولا يقع على المتهم عبء إثبات براءته، لأنه لا يُكلَّف بإثبات ما هو ثابت أصلًا. وترتيبًا على ذلك، فإن دفع المتهم بانتفاء التهمة هو دفع بالأصل لا دفع بالاستثناء، ولا يتحمّل إثباته.

2) تفسير الشك لمصلحة المتهم

وهي القاعدة المعروفة بـ (in dubio pro reo)؛ فمتى تطرّق الشك إلى دليل الاتهام تعيّن القضاء بالبراءة، لأن الإدانة تُبنى على الجزم واليقين لا على الظنّ والاحتمال. ولا يُشترط أن يقتنع القاضي ببراءة المتهم، بل يكفي ألا يطمئن إلى أدلة الإدانة.

3) حق الصمت وعدم إجبار المتهم على تجريم نفسه

فمن لوازم المبدأ ألا يُتخذ من صمت المتهم قرينة على الإدانة، وألا يُجبَر على تقديم دليل ضد نفسه، وألا يُساءل عن إنكاره ولو ثبت خلافه، ما لم يبلغ إنكاره حدّ جريمة مستقلة كالتزوير أو شهادة الزور.

4) استثنائية الحبس الاحتياطي

لما كان الأصل هو البراءة، فإن الأصل هو الحرية، والحبس الاحتياطي إجراء استثنائي تحفّظي لا عقابي، لا يجوز اللجوء إليه إلا لضرورة يقدّرها القضاء، ولمدة محدّدة، وبقرار مسبّب، وقابل للتظلّم، مع وجوب البحث أولًا في التدابير البديلة كالمنع من السفر والكفالة والإقامة المحدّدة.

5) مشروعية الدليل وبطلان ما خالفها

فلا يجوز أن يُبنى الحكم على دليل مستمدّ من إجراء باطل، ولا على اعتراف وليد إكراه مادي أو معنوي، تطبيقًا لقاعدة «ما بُني على باطل فهو باطل»، وقد كرّس المشرّع البحريني هذا المعنى بحظر إيذاء المتهم جسمانيًّا أو معنويًّا في المادة (20/د) من الدستور.

6) الحق في المعاملة اللائقة قبل الحكم

ويشمل ذلك عدم تقييد المتهم بغير مقتضى، وفصل المحبوسين احتياطيًّا عن المحكوم عليهم، وحظر عرضه على الرأي العام في مظهر المدان، وتجنّب التصريحات الرسمية التي تنسب إليه الجرم قبل صدور الحكم.

7) التعويض عن الحبس الاحتياطي غير المبرَّر

وهو أثر متقدّم للمبدأ أخذت به تشريعات عدّة، مؤدّاه أن من حُبس احتياطيًّا ثم قُضي ببراءته أو بحفظ التحقيق معه يستحق تعويضًا عن الضرر الذي لحقه، لأن الدولة أخلّت — ولو بغير خطأ — بأصل الحرية المفترض.

المبحث الخامس: المبدأ في الشريعة الإسلامية — السبق التاريخي

من الإنصاف العلمي التأكيد على أن الشريعة الإسلامية أرست هذا المبدأ وفرّعت عليه أحكامًا تفصيلية قبل أن تعرفه المواثيق الوضعية بقرون طويلة، وذلك من خلال جملة من القواعد الأصولية والفقهية:

أولًا: قاعدة «الأصل براءة الذمة»

وهي قاعدة كلية متفق عليها بين المذاهب، مؤدّاها أن ذمة الإنسان خالية من الحقوق والتبعات حتى يقوم الدليل على شغلها. وتُبنى على أصل «الاستصحاب» الذي هو إبقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيّره، وعليه تفرّعت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك».

ثانيًا: قاعدة «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»

وأصلها الحديث الشريف: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» (رواه البيهقي وأصله في الصحيحين). وهذه القاعدة هي عين ما تعبّر عنه النظم الوضعية بوقوع عبء الإثبات على سلطة الاتهام.

ثالثًا: قاعدة «ادرؤوا الحدود بالشبهات»

وهي قاعدة قطعية في باب الحدود، مؤدّاها أن الحدّ يسقط بأدنى شبهة، وهي أوسع مدى من قاعدة «تفسير الشك لمصلحة المتهم» في القانون الوضعي، لأن الشبهة أعمّ من الشك، وتشمل الشبهة في الفعل والفاعل والمحل والدليل.

ويُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «لأن أُعطّل الحدود بالشبهات أحبّ إليّ من أن أقيمها بالشبهات»، وعن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».

رابعًا: حرمة الدم والمال والعرض

وهي القاعدة الحاكمة المستفادة من قوله ﷺ في حجة الوداع بحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم؛ ومقتضاها أن هذه الحرمة ثابتة بالأصل، ولا تُستباح إلا بمُوجب شرعي ثابت، وهو المعنى ذاته الذي يقوم عليه افتراض البراءة.

خامسًا: النهي عن اتّباع الظن وتتبّع العورات

وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وهي نصوص تؤسّس لقاعدة أن الاتهام لا يُبنى على الظن، وأن التحرّي لا يجوز أن ينقلب تجسّسًا.

وقد انعكس هذا الأصل الشرعي انعكاسًا مباشرًا في التشريعات الخليجية، وعلى نحو أوضح في المملكة العربية السعودية التي أسّست المبدأ على المقتضى الشرعي لا على النقل عن المواثيق الوضعية، كما سيأتي.

المبحث السادس: المبدأ في المواثيق والاتفاقيات الدولية

اكتسب المبدأ صفة القاعدة العالمية بترسيخه في المنظومة الأممية والإقليمية على النحو الآتي:

      الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) — المادة (11/1): تقرّر أن كل شخص متهم بجريمة يُعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته قانونًا بمحاكمة علنية تُؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه.

      العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) — المادة (14/2): وهو النص الملزِم قانونًا للدول الأطراف، ويقرّر حق كل متهم بجريمة في أن يُعتبر بريئًا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونًا. وقد فسّرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان هذا النص في تعليقها العام رقم (32) لسنة 2007 تفسيرًا واسعًا، فقرّرت أن السلطات العامة ملزَمة بالامتناع عن الحكم المسبق على نتيجة المحاكمة، وأن الحبس الاحتياطي لا يجوز أن يكون قاعدة عامة.

      الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1950) — المادة (6/2): وهي أخصب النصوص إنتاجًا قضائيًّا بفضل اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

      الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (1969) — المادة (8/2)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981) — المادة (7/1/ب).

      الميثاق العربي لحقوق الإنسان (نسخة 2004، النافذ منذ 2008) — المادة (16): وتقرّر افتراض البراءة إلى أن تثبت الإدانة بحكم بات، مع تعداد الضمانات الدنيا للمتهم، ومنها إخطاره بالتهمة، ومنحه الوقت الكافي للدفاع، والاستعانة بمحامٍ، والترجمة، وعدم إجباره على الاعتراف.

      نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) — المادة (66): وهي من أوضح الصياغات الدولية، إذ تقرّر افتراض براءة المتهم إلى أن تثبت إدانته أمام المحكمة، وتضع على الادّعاء عبء إثبات جرم المتهم، وتشترط لإدانته اقتناع المحكمة بثبوت الجرم «بما لا يدع مجالًا لشك معقول».

      توجيه الاتحاد الأوروبي رقم 2016/343: وهو تطوّر تشريعي حديث ومهم، إذ ألزم الدول الأعضاء بعدم إشارة السلطات العامة إلى المتهم بوصفه مذنبًا قبل الحكم، ونظّم المعاملة الإعلامية للقضايا، وحظر تقديم المتهم إلى المحكمة مقيّدًا أو في زيّ السجن دون مبرّر أمني.

المبحث السابع: المبدأ في تشريعات دول مجلس التعاون الخليجي

تتفق دول المجلس الست على تكريس المبدأ، غير أنها تتباين في الصياغة، وفي مستوى التقنين (دستوري أو نظامي)، وفي المصدر المرجعي الذي استندت إليه. وفيما يلي عرض مفصّل يليه جدول مقارن.

أولًا: مملكة البحرين

كرّس دستور مملكة البحرين الصادر في 14 فبراير 2002 المبدأ في المادة (20) التي جاءت شاملة لمنظومة الشرعية الجنائية كاملة؛ فنصّت الفقرة (أ) على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ونصّت الفقرة (ب) على شخصية العقوبة، ثم قرّرت الفقرة (ج) أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وفقًا للقانون، وحظرت الفقرة (د) إيذاء المتهم جسمانيًّا أو معنويًّا، وأوجبت الفقرة (هـ) أن يكون لكل متهم في جناية محامٍ يدافع عنه بموافقته، وكفلت الفقرة (و) حق التقاضي.

ويُسجَّل للصياغة البحرينية تميّز لافت على أغلب نظيراتها الخليجية والعربية، وهو النصّ صراحةً على امتداد ضمانات الدفاع إلى «جميع مراحل التحقيق والمحاكمة». وهي إضافة ذات قيمة عملية كبيرة، لأنها تحسم الخلاف الفقهي المشار إليه في المبحث الثاني لمصلحة الاتجاه الموضوعي الواسع، فتمنع حصر المبدأ في مرحلة المحاكمة، وتجعل الإخلال بضمانات الدفاع في مرحلة الاستدلال أو التحقيق إخلالًا دستوريًّا لا مجرد مخالفة إجرائية.

وقد جاء قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (46) لسنة 2002 مفصّلًا لهذه الضمانات، فنظّم حق المحامي في حضور التحقيق وعدم الفصل بينه وبين موكله، وضبط أحكام الحبس الاحتياطي ومدده والتظلّم منه، وقرّر بطلان الإجراءات المخالفة. كما تدعّمت المنظومة بقانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976، وبقانون العقوبات والتدابير البديلة رقم (18) لسنة 2017 الذي يمثّل — من زاوية هذا المبحث — تطويرًا مهمًّا لأنه يعزّز فكرة استثنائية سلب الحرية.

ثانيًا: دولة الكويت

نصّت المادة (34) من الدستور الكويتي الصادر عام 1962 على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع، وحظرت إيذاء المتهم جسمانيًّا أو معنويًّا. وهي أقدم صياغة دستورية خليجية للمبدأ، وقد شكّلت النموذج الذي احتذته الصياغات اللاحقة في البحرين وعُمان. ويُلاحظ أن النص الكويتي جمع بين افتراض البراءة وحظر الإيذاء في مادة واحدة، بينما فصلهما الدستور البحريني في فقرتين مستقلتين. وتُفصّل أحكامَ المبدأ قوانينُ الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم (17) لسنة 1960 وتعديلاته.

ثالثًا: دولة قطر

قرّرت المادة (39) من الدستور الدائم لدولة قطر الصادر عام 2004 أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته أمام القضاء في محاكمة توفَّر له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع. والصياغة القطرية تنفرد بإضافة عبارة «أمام القضاء»، وهي إضافة ذات دلالة، لأنها تحصر سلطة هدم قرينة البراءة في جهة القضاء وحدها، فتمنع أي جهة إدارية أو تنفيذية من ترتيب أثر الإدانة. وتُكمّل هذه المنظومة أحكامُ قانون الإجراءات الجنائية رقم (23) لسنة 2004.

رابعًا: دولة الإمارات العربية المتحدة

نصّت المادة (28) من دستور دولة الإمارات لسنة 1971 على أن العقوبة شخصية، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، وأن للمتهم الحق في أن يوكّل من يملك القدرة على الدفاع عنه أثناء المحاكمة، مع حظر الإيذاء البدني والمعنوي والتعذيب والمعاملة الحاطّة بالكرامة. ويُلاحظ أن الصياغة الإماراتية أضافت وصف «العادلة» إلى المحاكمة، وهي إضافة نوعية لأنها ترفع المعيار من مجرد المشروعية الشكلية إلى العدالة الموضوعية.

وعلى المستوى الإجرائي، صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات الجزائية، ليحلّ محلّ القانون الاتحادي رقم (35) لسنة 1992 والقانون رقم (5) لسنة 2017 في شأن استخدام تقنية الاتصال عن بُعد، وقد أعاد تنظيم مراحل الدعوى وضمانات المتهم، ومنها وجوب ندب محامٍ لكل متهم في جناية معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، وحق المتهم في جناية معاقب عليها بالسجن المؤقت في طلب ندب محامٍ إذا ثبت عجزه المالي، وهو تطوّر يعزّز فعالية المبدأ لا مجرد إعلانه.

خامسًا: سلطنة عُمان

قرّر النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021) — الذي حلّ محل نظام 1996 — المبدأ في المادة (27) بنصّها على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع وفقًا للقانون، وحظرت إيذاء المتهم جسمانيًّا أو معنويًّا. وقد أتبعتها المادة (28) بحق المتهم في توكيل من يملك القدرة للدفاع عنه، وبإحالة تحديد الأحوال التي يتعيّن فيها حضور محامٍ إلى القانون، وبكفالة وسائل الالتجاء إلى القضاء لغير القادرين ماليًّا — وهو نصّ متقدّم يربط المبدأ بفكرة المساعدة القضائية. ويقابل ذلك على المستوى الإجرائي قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (97/99).

سادسًا: المملكة العربية السعودية

تنفرد المملكة بأنها أسّست المبدأ على المرجعية الشرعية مباشرة، لا على النقل عن الصياغات الوضعية. فالنظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) لعام 1412هـ يقرّر في المادة (26) أن الدولة تحمي حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، وفي المادة (38) مبدأ شخصية العقوبة وشرعية التجريم والعقاب بألا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو نظامي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للنص.

أما التقنين الأوضح للمبدأ فورد في المادة (الثالثة) من نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/2) لعام 1435هـ، التي نصّت على أنه لا يجوز توقيع عقوبة جزائية على أي شخص إلا بعد ثبوت إدانته بأمر محظور شرعًا أو نظامًا، بعد محاكمة تُجرى وفقًا للمقتضى الشرعي. وقد أضافت المادة (الثانية) حظر القبض على أي إنسان أو تفتيشه أو توقيفه أو سجنه إلا في الأحوال المنصوص عليها نظامًا، وحظر إيذاء الموقوف جسديًّا أو معنويًّا وتعريضه للتعذيب أو المعاملة المهينة للكرامة. ثم كفلت المادة (الرابعة) لكل متهم حق الاستعانة بوكيل أو محامٍ للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة معًا — وهو نص مهم لأنه يمدّ الضمانة إلى مرحلة التحقيق صراحةً.

ويُلاحظ أن الصياغة السعودية جاءت بالنفي («لا يجوز توقيع عقوبة… إلا بعد ثبوت الإدانة») لا بالإثبات («المتهم بريء…»)، وهي صياغة وإن اختلف مبناها فإن معناها واحد، بل هي أقرب إلى المنطق الأصولي في تقرير القاعدة عن طريق حصر الاستثناء. غير أن الصياغة الإيجابية تبقى أقوى دلالة على المستوى الرمزي وأيسر في الاحتجاج القضائي.

الجدول المقارن لدول مجلس التعاون

الدولة

السند الدستوري / النظامي الأعلى

السند الإجرائي وملاحظة مميّزة

البحرين

دستور 2002 — المادة (20/ج)، مع (20/أ) الشرعية و(20/د) حظر الإيذاء و(20/هـ) وجوب المحامي في الجنايات

مرسوم بقانون رقم (46) لسنة 2002 بشأن الإجراءات الجنائية. تميّز الصياغة: امتداد الضمانات صراحةً إلى «جميع مراحل التحقيق والمحاكمة»

الكويت

دستور 1962 — المادة (34)

قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم (17) لسنة 1960. أقدم صياغة دستورية خليجية، وقد احتُذيت لاحقًا

قطر

الدستور الدائم 2004 — المادة (39)

قانون الإجراءات الجنائية رقم (23) لسنة 2004. تميّز الصياغة: اشتراط ثبوت الإدانة «أمام القضاء» حصرًا

الإمارات

دستور 1971 — المادة (28)

مرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2022 (ألغى قانون 35/1992). تميّز الصياغة: وصف المحاكمة بأنها «عادلة» لا «قانونية» فحسب

عُمان

النظام الأساسي للدولة (المرسوم السلطاني 6/2021) — المادة (27)، والمادة (28) لحق الدفاع

مرسوم سلطاني رقم (97/99) بإصدار قانون الإجراءات الجزائية. تميّز: ربط الضمانة بالمساعدة القضائية لغير القادرين ماليًّا

السعودية

النظام الأساسي للحكم 1412هـ — المادتان (26) و(38)

نظام الإجراءات الجزائية (م/2 لعام 1435هـ) — المواد الثانية والثالثة والرابعة. تميّز: التأسيس على «المقتضى الشرعي»، ومدّ حق المحامي إلى مرحلة التحقيق صراحةً

ويُستخلص من المقارنة أن دول المجلس تشترك في ثلاثة عناصر جوهرية: تقرير المبدأ في وثيقة أعلى من القانون العادي، وربطه بحق الدفاع، وحظر الإيذاء البدني والمعنوي. وتتباين في عنصرين: مدى الامتداد الصريح للمبدأ إلى مرحلة ما قبل المحاكمة (وهو الأوضح في البحرين والسعودية)، ومدى ربطه بالمساعدة القضائية (وهو الأوضح في عُمان والإمارات).

 

 

 

المبحث الثامن: المبدأ في القوانين المقارنة على المستوى العالمي

أولًا: النظام اللاتيني (فرنسا نموذجًا)

تُعدّ فرنسا مهد التقنين الحديث للمبدأ. فبعد إعلان 1789، أُدرج المبدأ في صلب قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 2000-516 الصادر في 15 يونيو 2000 والمعنون صراحةً «قانون تعزيز قرينة البراءة وحقوق الضحايا»، والذي استحدث «المادة التمهيدية» (Article préliminaire) في مقدمة القانون، مقرّرًا أن كل شخص مشتبه فيه أو ملاحق يُعتبر بريئًا ما دامت التهمة لم تثبت في حقه، وأن المساس بقرينة البراءة يخضع للجزاءات التي يقرّرها القانون.

والأهم أن المشرّع الفرنسي مدّ الحماية إلى المجال المدني، فنصّت المادة (9-1) من القانون المدني على حق كل شخص في احترام قرينة البراءة، وأجازت للقاضي أن يأمر — ولو في قضاء مستعجل — باتخاذ إجراءات لوقف المساس بها، كنشر بيان تصحيحي على نفقة المخالف. وهذا يمثّل تحوّلًا نوعيًّا: من ضمانة إجرائية إلى حق شخصي قابل للحماية المدنية.

ثانيًا: النظام الأنجلوسكسوني

في إنجلترا، لا يقوم المبدأ على نصّ مكتوب وإنما على سابقة قضائية شهيرة هي حكم مجلس اللوردات في قضية Woolmington v. DPP سنة 1935، الذي وصف عبء الإثبات الواقع على الادّعاء بأنه «الخيط الذهبي» الممتدّ في نسيج القانون الجنائي الإنجليزي، فلا يُنتقص منه إلا في استثناءات ضيقة كالدفع بالجنون أو ما ينصّ عليه البرلمان صراحةً.

وفي الولايات المتحدة، لم يرد المبدأ نصًّا في الدستور، لكن المحكمة العليا استخلصته من شرط «الإجراءات القانونية الواجبة» (Due Process) في التعديلين الخامس والرابع عشر. وقد أرست المحكمة قواعده في ثلاثة أحكام محورية: حكم Coffin v. United States سنة 1895 الذي قرّر أن افتراض البراءة أصل بدهي وراسخ في القانون الجنائي وأن حمايته تسبق تقديم أي دليل؛ وحكم In re Winship سنة 1970 الذي جعل معيار الإثبات «بما يتجاوز الشك المعقول» (Beyond a Reasonable Doubt) شرطًا دستوريًّا لا يجوز النزول عنه حتى في محاكمات الأحداث؛ وحكم Taylor v. Kentucky سنة 1978 الذي قرّر أن امتناع المحكمة عن توجيه هيئة المحلفين إلى افتراض البراءة قد يبطل المحاكمة ذاتها.

ثالثًا: النظام الجرماني والدساتير الأوروبية

في ألمانيا، يُستمدّ المبدأ من مبدأ دولة القانون (Rechtsstaatsprinzip) المقرّر في القانون الأساسي، ومن المادة (6/2) من الاتفاقية الأوروبية بوصفها جزءًا من القانون الاتحادي، ويُعبَّر عنه عمليًّا بقاعدة in dubio pro reo. وفي إيطاليا، ورد المبدأ نصًّا صريحًا في المادة (27/2) من الدستور بأن المتهم لا يُعدّ مذنبًا إلا بحكم إدانة نهائي — وهي صياغة متقدّمة لأنها تربط زوال الافتراض بـ«نهائية» الحكم لا بمجرد صدوره.

رابعًا: مصر والدول العربية

نصّت المادة (96) من الدستور المصري لسنة 2014 على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وأوجبت على القانون تنظيم استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات. وقد أسهمت المحكمة الدستورية العليا المصرية إسهامًا معتبرًا في بلورة المبدأ، فقرّرت أن قرينة البراءة تلازم المتهم في كل مراحل الدعوى، وأن المشرّع لا يملك افتراض الإدانة، وأن كل قيد على الحرية قبل الحكم البات إنما هو استثناء يُفسَّر تفسيرًا ضيقًا.

خامسًا: اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

يُعدّ قضاء هذه المحكمة أخصب مصدر لتطوير مضمون المبدأ، ومن أبرز أحكامها:

      قضية Barberà, Messegué and Jabardo ضد إسبانيا (1988): قرّرت المحكمة أن عبء الإثبات يقع على الادّعاء، وأن أي شكّ يجب أن يفيد المتهم، وأن على القاضي ألا يبدأ المحاكمة بفكرة مسبقة عن ارتكاب المتهم للفعل.

      قضية Allenet de Ribemont ضد فرنسا (1995): وهي من أهمّ الأحكام، إذ قرّرت أن المساس بقرينة البراءة لا يصدر عن القاضي وحده، بل قد يصدر عن أي موظف عام؛ فقد اعتبرت المحكمة أن تصريح مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى في مؤتمر صحفي بأن الشخص محرّض على القتل — قبل أي اتهام رسمي — يشكّل انتهاكًا للمادة (6/2).

      قضية Salabiaku ضد فرنسا (1988): وهي الحكم المرجعي في مسألة القرائن العكسية، إذ قرّرت المحكمة أن الاتفاقية لا تحظر القرائن القانونية أو الواقعية من حيث المبدأ، لكنها تُلزم الدول بأن تحصرها في حدود معقولة تراعي جسامة ما هو على المحكّ وتحافظ على حقوق الدفاع — أي أن القرينة العكسية مشروعة بشرط التناسب وقابلية إثبات العكس.

      قضية Minelli ضد سويسرا (1983): قرّرت أن الحكم بتحميل المتهم مصاريف الدعوى بعد انقضائها بالتقادم، مع تعليل ينطوي على ترجيح إدانته، يشكّل مساسًا بقرينة البراءة ولو لم يصدر حكم إدانة.

المبحث التاسع: القيود والاستثناءات والتحديات المعاصرة

أولًا: القرائن القانونية العكسية

اتجهت التشريعات الحديثة في مجالات المخدرات والتهريب الجمركي وغسل الأموال والإثراء غير المشروع وتمويل الإرهاب إلى إنشاء قرائن تنقل عبء الإثبات — كليًّا أو جزئيًّا — إلى المتهم، كافتراض علم حائز المادة المخدرة بطبيعتها، أو افتراض عدم مشروعية مصدر الثروة غير المتناسبة مع الدخل. والضابط المستقرّ لمشروعية هذه القرائن ثلاثي: أن تكون منصوصًا عليها بقانون، وأن تكون قابلة لإثبات العكس (قرينة بسيطة لا قاطعة)، وأن تكون متناسبة مع خطورة الجريمة وجسامة المصلحة المحمية. وما جاوز ذلك انقلب إلى افتراض للإدانة يُبطله الدستور.

ثانيًا: الحبس الاحتياطي المطوّل

يمثّل الحبس الاحتياطي أخطر ما يهدّد المبدأ عمليًّا، إذ يتحوّل — إذا طال أمده وتكرّر تجديده تجديدًا شكليًّا — من إجراء تحفّظي إلى عقوبة سابقة على الحكم. والعلاج يكمن في تسبيب قرارات الحبس تسبيبًا حقيقيًّا لا نمطيًّا، وتحديد سقف زمني أقصى، وتوسيع التدابير البديلة، وإقرار التعويض عن الحبس غير المبرَّر.

ثالثًا: المحاكمة الإعلامية ومحاكمة الرأي العام

لم يعد الخطر مقصورًا على الصحافة التقليدية، بل تفاقم بوسائل التواصل الاجتماعي التي تُصدر أحكامها فورية وجماعية وغير قابلة للطعن، وتُلحق بالمتهم ضررًا لا يمحوه حكم البراءة. ومن مظاهر ذلك: نشر صور المقبوض عليهم قبل التحقيق، وتسريب محاضر التحقيق، وصياغة البيانات الرسمية بلغة تقريرية توحي بالإدانة. والعلاج التشريعي المقترح يشمل تنظيم النشر عن القضايا المنظورة، وإلزام الجهات الرسمية بصيغة محايدة في بياناتها، وتقرير حق المتهم المُبرَّأ في نشر حكم البراءة على النطاق نفسه الذي نُشر فيه الاتهام.

رابعًا: التشريعات الاستثنائية لمكافحة الإرهاب

أفرزت الموجة التشريعية اللاحقة لأحداث 2001 نظمًا استثنائية توسّع في الاحتجاز الإداري وتقييد الاطلاع على الأدلة بحجة سريتها. والمعيار الحاكم هنا هو أن الاستثناء لا يجوز أن يُفرغ الأصل من مضمونه، وأن أي تقييد يجب أن يخضع لرقابة قضائية فعّالة، وأن سرية الدليل لا يجوز أن تنتهي إلى إدانة مبنية على دليل لم يُتَح للدفاع مناقشته.

خامسًا: الذكاء الاصطناعي والعدالة التنبؤية

برز في السنوات الأخيرة تحدٍّ جديد يتمثّل في استخدام الخوارزميات في تقييم «خطورة» المتهم لأغراض الحبس الاحتياطي أو الإفراج. وهذه الأدوات تنطوي على إشكال بنيوي مع مبدأ البراءة، لأنها تُقيّم الفرد استنادًا إلى معطيات إحصائية عن فئات يشبهها، لا إلى ما ارتكبه هو شخصيًّا — وهو عودة غير معلنة إلى منطق المدرسة الوضعية في «الخطورة الإجرامية». يُضاف إلى ذلك غموض الخوارزمية (الصندوق الأسود) الذي يحول دون مناقشة الدفاع لها، وما ثبت من إعادة إنتاجها للتحيّزات الكامنة في البيانات. والضابط اللازم هو ألا تكون هذه الأدوات إلا معينًا استئناسيًّا للقاضي، مع وجوب الإفصاح عن معاييرها وإتاحة الطعن فيها.

سادسًا: الجزاءات الإدارية والقوائم السوداء

من صور المساس غير المباشر بالمبدأ توقيع جزاءات إدارية أو مالية أو مهنية (كالإدراج في قوائم المنع، أو الوقف عن العمل، أو تجميد الأموال) بمجرد تحريك الدعوى وقبل الفصل فيها. وهذه الجزاءات — وإن كانت في ظاهرها تحفّظية — تُرتّب أثرًا عقابيًّا فعليًّا، ومن ثم وجب إخضاعها للرقابة القضائية ولمعيار التناسب، وتقرير التعويض عند انتفاء الاتهام.

الخاتمة: النتائج والتوصيات

أولًا: أهم النتائج

      البراءة ليست قرينة قانونية مستنبطة يملك المشرّع العادي التصرّف فيها، بل حالة قانونية أصلية ملازمة للشخصية الإنسانية، لا تزول إلا بحكم بات، ولا تقبل التنازل عنها لتعلّقها بالنظام العام.

      الشريعة الإسلامية أرست المبدأ وفرّعت عليه أحكامًا تفصيلية عبر قواعد «الأصل براءة الذمة» و«البيّنة على المدّعي» و«ادرؤوا الحدود بالشبهات» قبل الإعلان الفرنسي لسنة 1789 بما يزيد على أحد عشر قرنًا.

      دول مجلس التعاون الست تُجمع على تكريس المبدأ في وثيقة أعلى من القانون العادي، وتتميّز الصياغة البحرينية بامتداد الضمانات صراحةً إلى جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، والصياغة القطرية بحصر سلطة الإدانة في القضاء، والإماراتية باشتراط عدالة المحاكمة، والعمانية بربطها بالمساعدة القضائية، والسعودية بالتأسيس على المقتضى الشرعي ومدّ حق المحامي إلى مرحلة التحقيق.

      الفجوة الحقيقية في المنطقة ليست في النصّ بل في الآليات: فالنصوص الخليجية متقدّمة في صياغتها، غير أن فاعليتها تتوقف على تسبيب قرارات الحبس، وبدائل التوقيف، والتعويض عن الحبس غير المبرَّر، وتنظيم النشر الإعلامي.

      القرائن العكسية والتشريعات الاستثنائية والعدالة التنبؤية تمثّل التهديدات الثلاثة الكبرى للمبدأ في العقد القادم، والضابط الحاكم لها جميعًا هو معيار التناسب مع الإبقاء على قابلية إثبات العكس ورقابة القضاء.

ثانيًا: التوصيات

      النصّ صراحةً في قوانين الإجراءات الجزائية الخليجية — على غرار «المادة التمهيدية» الفرنسية — على مبدأ افتراض البراءة في صدر القانون، لا الاكتفاء بالنص الدستوري، ليكون قاعدة تفسيرية حاكمة لسائر النصوص.

      إقرار حماية مدنية مستقلة لقرينة البراءة على غرار المادة (9-1) من القانون المدني الفرنسي، تُخوّل المتضرّر من المساس بها اللجوء إلى القضاء المستعجل لوقف المساس ونشر التصحيح.

      تنظيم تشريعي للنشر عن القضايا المنظورة، وإلزام الجهات الرسمية بصيغة محايدة في بياناتها، وتقرير حق المُبرَّأ في نشر حكم البراءة على نفس نطاق نشر الاتهام وعلى نفقة المخالف.

      توسيع نطاق التدابير البديلة للحبس الاحتياطي وربط تجديده بتسبيب موضوعي فردي، مع تحديد سقف زمني أقصى لا يجوز تجاوزه إلا بقرار من محكمة أعلى.

      تقنين حق التعويض عن الحبس الاحتياطي الذي انتهى إلى حفظ أو براءة، وإنشاء آلية إدارية ميسّرة للمطالبة به دون إلزام المضرور بإثبات خطأ جسيم.

      مراجعة القرائن العكسية في تشريعات المخدرات وغسل الأموال والإثراء غير المشروع للتحقق من توافر شرطي التناسب وقابلية إثبات العكس، وإلغاء ما كان منها قاطعًا لا يقبل الدحض.

      وضع إطار تنظيمي لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العدالة الجنائية يقوم على الشفافية، وحظر بناء أي قرار سالب للحرية على مخرجات خوارزمية وحدها، وكفالة حق الدفاع في مناقشتها.

      إدراج مبدأ افتراض البراءة وتطبيقاته العملية ضمن برامج التدريب الإلزامية لأعضاء النيابة العامة وضباط الضبط القضائي والمحامين، لا الاكتفاء بتدريسه نظريًّا.

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المصادر الشرعية

      القرآن الكريم: سورة الحجرات، الآية (12)؛ سورة الإسراء، الآية (36)؛ سورة الإسراء، الآية (15).

      السنة النبوية: حديث «لو يُعطى الناس بدعواهم…» أخرجه البيهقي، وأصله متفق عليه؛ وخطبة حجة الوداع في حرمة الدماء والأموال والأعراض.

      القواعد الفقهية: «الأصل براءة الذمة»؛ «اليقين لا يزول بالشك»؛ «ادرؤوا الحدود بالشبهات»؛ «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر». وينظر: السيوطي، الأشباه والنظائر؛ ابن نجيم، الأشباه والنظائر؛ الزركشي، المنثور في القواعد.

ثانيًا: النصوص الدستورية والتشريعية

      دستور مملكة البحرين الصادر في 14 فبراير 2002 — المادة (20).

      المرسوم بقانون رقم (46) لسنة 2002 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية البحريني.

      المرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 بإصدار قانون العقوبات البحريني، والقانون رقم (18) لسنة 2017 بشأن العقوبات والتدابير البديلة.

      دستور دولة الكويت الصادر سنة 1962 — المادة (34)؛ وقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم (17) لسنة 1960.

      الدستور الدائم لدولة قطر الصادر سنة 2004 — المادة (39)؛ وقانون الإجراءات الجنائية رقم (23) لسنة 2004.

      دستور دولة الإمارات العربية المتحدة لسنة 1971 — المادة (28)؛ والمرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات الجزائية.

      النظام الأساسي للدولة العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021) — المادتان (27) و(28)؛ وقانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (97/99).

      النظام الأساسي للحكم السعودي الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) لعام 1412هـ — المادتان (26) و(38)؛ ونظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/2) لعام 1435هـ — المواد (الثانية) و(الثالثة) و(الرابعة).

      الدستور المصري لسنة 2014 — المادة (96).

      الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 — المادة (9)؛ والقانون الفرنسي رقم 2000-516 الصادر في 15 يونيو 2000؛ والمادة التمهيدية من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي؛ والمادة (9-1) من القانون المدني الفرنسي.

      الدستور الإيطالي — المادة (27/2).

ثالثًا: المواثيق الدولية والإقليمية

      الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) — المادة (11/1).

      العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) — المادة (14/2)، والتعليق العام رقم (32) للجنة المعنية بحقوق الإنسان (2007).

      الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1950) — المادة (6/2).

      الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (1969) — المادة (8/2)؛ والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981) — المادة (7).

      الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) — المادة (16).

      نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) — المادة (66).

      توجيه البرلمان الأوروبي والمجلس رقم 2016/343 بشأن تعزيز جوانب معينة من قرينة البراءة والحق في الحضور أمام المحاكمة.

رابعًا: الأحكام القضائية المشار إليها

      Woolmington v. Director of Public Prosecutions [1935] AC 462 (مجلس اللوردات — المملكة المتحدة).

      Coffin v. United States, 156 U.S. 432 (1895); In re Winship, 397 U.S. 358 (1970); Taylor v. Kentucky, 436 U.S. 478 (1978) (المحكمة العليا الأمريكية).

      Minelli v. Switzerland (1983); Barberà, Messegué and Jabardo v. Spain (1988); Salabiaku v. France (1988); Allenet de Ribemont v. France (1995) (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان).

      أحكام المحكمة الدستورية العليا المصرية في شأن قرينة البراءة وشرعية الإجراءات الجنائية.

خامسًا: المراجع الفقهية

      شيزاري بكاريا، «في الجرائم والعقوبات» (1764).

      د. أحمد فتحي سرور، «الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية»، دار النهضة العربية.

      د. محمود نجيب حسني، «شرح قانون الإجراءات الجنائية»، دار النهضة العربية.

      د. مأمون محمد سلامة، «الإجراءات الجنائية في التشريع المصري».

      د. عبد الرؤوف مهدي، «شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية».

      د. عبد القادر عودة، «التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي».

      Gaston Stefani, Georges Levasseur & Bernard Bouloc, «Procédure pénale», Dalloz.

      Roger Merle & André Vitu, «Traité de droit criminel».

      Marc Ancel, «La défense sociale nouvelle».

      Enrico Ferri, «Sociologia criminale».

Share this story:
Author

Mohamed J Alhayki

Mohamed J. Alhayki is a prominent business leader in Bahrain. As the CEO of Alhayki Holding, Danamore Real Estate, and Blue Sapphire Spa, he brings decades of market expertise to the luxury property and wellness sectors.

View all articles by Mohamed

Comments (2)

S
Satheesh Kumar
Aug 17, 2026 at 08:17 AM
vgfgfc
S
Satheesh Kumar
Aug 17, 2026 at 08:10 AM
gtftvgh

Leave a Comment

Categories

Newsletter

Subscribe to get the latest stories and updates delivered to your inbox.

Explore the World
With Purpose

Get travel tips, destination guides, and inspiring stories straight to your inbox.

Join Now

You Might Also Like