الأساس القانوني في القواعد الفقهية
دراسة في حجّية القاعدة الفقهية ومكانتها في التشريع والقضاء الخليجي
إعداد: د. محمد جعفر منصور الحايكي محامٍ ووسيط معتمد ومحكّم على مستوى دول مجلس التعاون
____________________________________
مقدمة
لم تكن القواعد الفقهية يومًا مجرد عبارات موجزة يتناقلها الفقهاء تسهيلًا للحفظ، بل هي في حقيقتها خلاصة اجتهاد قرون، صِيغت في قوالب كلّية تختزل مئات الفروع في سطر واحد. وقد وصفها القرافي بأنها «قواعد كليّة فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد»، وقال ابن نجيم إن معرفتها تُطلع الفقيه على أسرار المذهب وتُمكّنه من الإلحاق والتخريج.
غير أن السؤال الذي يعنينا هنا ليس سؤالًا فقهيًا تاريخيًا، بل سؤال قانوني عملي: ما الأساس الذي تستمد منه القاعدة الفقهية قوتها الإلزامية؟ وهل يصحّ للقاضي أن يبني عليها حكمه، أو للمحامي أن يستند إليها في مذكرته، استنادًا مباشرًا لا مجرد استئناسٍ بلاغي؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في البيئة التشريعية الخليجية تحديدًا، حيث تُقرّ الدساتير أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وحيث نصّت القوانين المدنية على إحالة القاضي إلى مبادئ الشريعة عند انعدام النص، فصارت القاعدة الفقهية جسرًا عمليًا بين النص التشريعي والنظرية الشرعية.
المبحث الأول: ماهية القاعدة الفقهية وتمييزها عمّا يشتبه بها
أولًا: التعريف
القاعدة الفقهية هي حكم كلّي أغلبي ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرف أحكامها منه. وقيد «الأغلبية» جوهري، إذ إن معظم القواعد الفقهية ترد عليها مستثنيات، وهذا هو الفارق الجوهري بينها وبين القاعدة القانونية الوضعية التي تفترض فيها العمومية والتجريد المطلق.
ثانيًا: التمييز
|
الوجه |
القاعدة الفقهية |
القاعدة الأصولية |
الضابط الفقهي |
|
الموضوع |
فعل المكلّف وأحكام الفروع |
الدليل وطرق استنباط الحكم |
فرع واحد من أبواب الفقه |
|
الشمول |
تجمع فروعًا من أبواب متفرقة |
تشمل جميع الأبواب دون استثناء |
محصور في باب واحد |
|
المخاطب |
الفقيه والقاضي والمفتي |
المجتهد |
الفقيه في مسألة بعينها |
|
الاستثناء |
تقبله (أغلبية) |
لا تقبله غالبًا (كلّية) |
نادر |
فقاعدة «اليقين لا يزول بالشك» قاعدة فقهية، وقاعدة «الأمر يفيد الوجوب» قاعدة أصولية، وقولهم «كل كفارة سببها معصية فهي على الفور» ضابط فقهي.
كما تُميَّز القاعدة الفقهية عن النظرية الفقهية (كنظرية العقد ونظرية الملكية)، فالنظرية إطار موضوعي متكامل له أركان وشروط وآثار، بينما القاعدة حكمٌ مجرّد. وتُميَّز عن المقاصد الشرعية، فالمقاصد غايات كلّية للتشريع، والقاعدة وسيلة تطبيقية لتحقيقها.
المبحث الثاني: المصادر التي تستمد منها القاعدة حجّيتها
لا تستمد القاعدة الفقهية إلزامها من ذاتها ولا من شهرة قائلها، وإنما من أحد مصادر ثلاثة:
1. النص الشرعي المباشر: فبعض القواعد منصوصٌ عليها حرفيًا في السنّة، كقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وقاعدة «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»، وقاعدة «الخراج بالضمان». وهذا النوع أقوى القواعد حجّية على الإطلاق، لأن الاستدلال بها استدلال بالنص نفسه.
2. الاستقراء: وهو تتبّع الفروع الفقهية المتناثرة واستخلاص الجامع بينها، كقاعدة «الأمور بمقاصدها» المستخلصة من مجموع النصوص والفروع. وحجّية هذا النوع بقدر قوة الاستقراء وسلامته.
3. الإجماع والعمل المستقر: فبعض القواعد استقر عليها عمل الفقهاء والقضاة عبر القرون حتى صارت من المسلّمات، كقاعدة «الأصل براءة الذمة».
ويترتب على هذا التقسيم أثر عملي بالغ الأهمية أمام المحاكم: درجة القوة الاحتجاجية للقاعدة تتفاوت بتفاوت مصدرها، فمن يستدل بقاعدة منصوصة يستدل بدليل، ومن يستدل بقاعدة استقرائية يستدل بترجيح.
المبحث الثالث: حجّية القاعدة الفقهية في الاستدلال — موضع الخلاف
اختلف العلماء في جواز الاستناد إلى القاعدة الفقهية ابتداءً في إثبات الحكم، على اتجاهين:
الاتجاه الأول (المانع): ذهب فريق من الأصوليين — ومنهم من نُقل عنه ذلك من المحققين — إلى أن القاعدة الفقهية لا يصحّ الإفتاء ولا القضاء بها مباشرة، لأنها أغلبية لا كلّية، ولأنها في أصلها وصفٌ للفروع لا دليلٌ عليها؛ فهي نتيجة الاستنباط لا مقدّمته. والاستدلال بها — على هذا الرأي — استدلالٌ بالمعلول على العلة.
الاتجاه الثاني (المجيز): وذهب جمهور المتأخرين إلى جواز الاستناد إليها، بشرطين: أن تكون القاعدة مستندة إلى نص أو استقراء صحيح، وألّا تكون المسألة المعروضة من المستثنيات المقرّرة في كتب القواعد.
والراجح عمليًا — وهو ما جرى عليه العمل القضائي في المنطقة — هو التفصيل:
- إن كانت القاعدة منصوصة شرعًا، صحّ الاستدلال بها استقلالًا.
- وإن كانت مقنّنة في نص تشريعي (كما في المجلة أو القوانين المدنية الخليجية)، فقد اكتسبت إلزامًا وضعيًا مباشرًا، وصار الاستناد إليها استنادًا إلى القانون لا إلى الفقه، وهذا هو مربط الأساس القانوني الذي يعنينا.
- وإن كانت استقرائية غير مقنّنة، فهي مرجّح تفسيري ومعين على سدّ النقص وتوجيه سلطة القاضي التقديرية، لا نصٌّ قائم بذاته.
المبحث الرابع: القواعد الكبرى الخمس وانعكاساتها القانونية
اتفق الفقهاء على أن مدار القواعد كلها على خمس قواعد كبرى، ولكلٍّ منها امتداد واضح في القانون الوضعي المعاصر:
1. «الأمور بمقاصدها»
وهي أصل نظرية الإرادة والنية في القانون. وعنها تفرّعت قاعدة «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني»، وهي عين ما تقرره القوانين المدنية الخليجية من وجوب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ. وعليها يقوم كذلك بطلان العقود الصورية، وإبطال التصرفات الصادرة تحايلًا على القانون، ومسألة الغش يفسد كل شيء.
2. «اليقين لا يزول بالشك»
وهي الأساس الفقهي المباشر لـنظرية الإثبات وقرينة البراءة. ويتفرع عنها: «الأصل براءة الذمة» — وهي عين قاعدة أن الأصل في المتهم البراءة، وأن عبء الإثبات على المدّعي؛ و«الأصل بقاء ما كان على ما كان» — وهي أصل الاستصحاب الذي تقوم عليه قرائن قانونية عديدة كقرينة استمرار الحالة الثابتة؛ و«الأصل في الصفات العارضة العدم».
3. «المشقة تجلب التيسير»
وهي مأخذ نظرية الظروف الطارئة والقوة القاهرة والإعسار ونظرة الميسرة ومدّ الآجال القضائية. وعنها تفرّع مبدأ «إذا ضاق الأمر اتسع».
4. «الضرر يزال»
وهي أخصب القواعد أثرًا في القانون المعاصر، وعنها تفرّعت:
- «لا ضرر ولا ضرار» — أصل المسؤولية التقصيرية.
- «الضرر لا يُزال بمثله» — ضابط التعويض.
- «الضرر يُدفع بقدر الإمكان» — أصل الدعاوى الوقائية والأوامر على العرائض ووقف التعدي.
- «الضرورات تبيح المحظورات» و«ما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها» — أصل حالة الضرورة كمانع من موانع المسؤولية الجزائية والمدنية، مع قيد التناسب.
- «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» و«يُختار أهون الشرّين» — أصل الموازنة بين المصالح في القضاء الإداري والقضاء المستعجل.
- «الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف» — أساس التعسف في استعمال الحق.
5. «العادة محكّمة»
وهي الأساس الشرعي لاعتبار العرف مصدرًا من مصادر الالتزام. وعنها: «استعمال الناس حجة يجب العمل بها»، و«المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا» — وهي عين ما تقرره القوانين المدنية من أن العقد لا يقتصر على ما ورد فيه بل يتناول ما هو من مستلزماته وفقًا للعرف؛ و«لا يُنكَر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان» — وهي القاعدة التي يقوم عليها تطوّر التفسير القضائي وتجديد الاجتهاد.
المبحث الخامس: التقنين — كيف اكتسبت القاعدة الفقهية صفة النص القانوني
هنا يتحوّل البحث من الحجّية الفقهية إلى الإلزام الوضعي، وذلك عبر ثلاث قنوات:
القناة الأولى: التقنين المباشر
كانت مجلة الأحكام العدلية (1876م) أول تجربة تقنينية إسلامية كبرى، وقد صدّرت أحكامها بمئة قاعدة فقهية في موادها الأولى، فصارت هذه القواعد نصوصًا قانونية واجبة التطبيق أمام المحاكم في كامل الولايات العثمانية، ومنها الخليج. ولا تزال المجلة تُذكر في أحكام المحاكم الخليجية باعتبارها مرجعًا تاريخيًا وتفسيريًا حتى بعد أن حلّت محلّها القوانين المدنية الحديثة.
وقد سار على هذا النهج قانون المعاملات المدنية الإماراتي، الذي صيغت أحكامه على أساس الفقه الإسلامي، وتضمنت مذكرته الإيضاحية إحالات صريحة إلى القواعد الفقهية ومصادرها في المذاهب المعتبرة.
القناة الثانية: التقنين غير المباشر (الاستيعاب في نصوص موضوعية)
وهو الأوسع انتشارًا، حيث تُصاغ القاعدة الفقهية في قالب مادة قانونية دون الإشارة إلى أصلها. فنصوص التعسف في استعمال الحق، وحالة الضرورة، والظروف الطارئة، وبطلان العقد الصوري، وحسن النية في تنفيذ العقود، والالتزام بمستلزمات العقد وفقًا للعرف — كلها في جوهرها قواعد فقهية أُعيدت صياغتها بلغة القانون.
القناة الثالثة: الإحالة التشريعية عند انعدام النص
وهي القناة الأهم من الناحية العملية. فالقوانين المدنية الخليجية — ومنها القانون المدني البحريني — قررت في أحكامها التمهيدية تدرّجًا في مصادر الحكم: تسري النصوص التشريعية على ما تتناوله بمنطوقها أو فحواها، فإن لم يوجد نص حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم توجد فبمقتضى العرف، فإن لم يوجد فبمقتضى قواعد العدالة.
ومعنى ذلك من الناحية القانونية البحتة: أن المشرّع أدخل القواعد الفقهية في المنظومة القانونية بحكم القانون نفسه، فصار الاستناد إليها عند انعدام النص ليس خروجًا على القانون بل تطبيقًا لأمره. وهذا هو الأساس القانوني الذي تُبنى عليه حجّيتها أمام القضاء اليوم.
ويعزّز ذلك أن الدساتير الخليجية — ومنها دستور مملكة البحرين — تنصّ على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، مما يجعل القاعدة الفقهية ذات سند دستوري، لا مجرد سند تشريعي.
وفي مسائل الأحوال الشخصية يبلغ الأمر ذروته، إذ إن قوانين الأسرة الخليجية — ومنها قانون الأسرة البحريني — تحيل صراحة عند انعدام النص إلى المشهور من مذهب المتقاضين، فتصبح القاعدة الفقهية هنا مصدرًا مباشرًا لا احتياطيًا.
المبحث السادس: التطبيق العملي أمام المحاكم — ضوابط الاستدلال
من واقع الممارسة، أوصي بمراعاة الضوابط الآتية عند الاستناد إلى قاعدة فقهية في مذكرة أو حكم:
أولًا: التحقق من رتبة القاعدة. لا يستوي الاستدلال بقاعدة منصوصة في السنّة مع الاستدلال بقاعدة استقرائية مختلَف في صياغتها. ويُستحسن بيان مصدر القاعدة عند إيرادها.
ثانيًا: عدم الاستدلال بالقاعدة في مواجهة نصٍّ تشريعي صريح. فالقاعدة الفقهية تعمل في فراغ النص لا في مواجهته. والاستناد إليها لتعطيل نص واضح خطأ منهجي يُضعف المذكرة ويعرّضها للردّ.
ثالثًا: التحقق من المستثنيات. لكل قاعدة كبرى مستثنيات مقرّرة في مظانّها، وإغفالها يفتح ثغرة يستثمرها الخصم.
رابعًا: ربط القاعدة بالنص القانوني المقابل. الصيغة الأقوى أمام المحكمة ليست إيراد القاعدة منفردة، بل إيرادها مقرونة بالمادة القانونية التي جسّدتها، بحيث تعمل القاعدة عمل المفسّر المؤيّد لا البديل المنافس. مثال ذلك: الاستناد إلى نص التعسف في استعمال الحق مدعومًا بقاعدة «الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف»، أو الاستناد إلى نص عبء الإثبات مدعومًا بقاعدة «الأصل براءة الذمة».
خامسًا: مراعاة طبيعة الدعوى. فالقاعدة الفقهية أشد أثرًا في الأحوال الشخصية والمعاملات المدنية منها في المسائل الجزائية، حيث يحكم الأخيرة مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فلا يصحّ التجريم أو التشديد استنادًا إلى قاعدة فقهية.
سادسًا: توظيفها في الوساطة والتحكيم. تظهر أعلى فاعلية للقواعد الفقهية في حلول النزاع البديلة، حيث لا يتقيّد الوسيط بحرفية النص، فتصير قواعد «الصلح سيد الأحكام»، و«الضرر يُزال»، و«يُختار أهون الشرّين» أدوات إقناع بالغة الأثر في تقريب وجهات النظر وصياغة التسويات.
خاتمة
القاعدة الفقهية ليست زينة بلاغية في صدر المذكرة، وليست في المقابل نصًّا قانونيًا قائمًا بذاته على إطلاقه. إنها أداة قانونية ذات سند دستوري وتشريعي، تستمد إلزامها من ثلاثة روافد متضافرة: النص الشرعي الذي بُنيت عليه، والتقنين الذي استوعبها في صلب القانون، والإحالة التشريعية التي جعلتها مصدرًا احتياطيًا واجب الإعمال عند سكوت النص.
وقيمة هذه القواعد الحقيقية أنها تمنح القاضي والمحامي منطقًا كلّيًا متماسكًا يعالج المستجدات التي لم يدركها المشرّع، ويسدّ الثغرات التي لا يخلو منها تشريع، ويصل الحاضر القانوني بامتداده الحضاري. ولعلّ أصدق وصف لها ما قاله القرافي حين نبّه إلى أن من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر جزئياته، ومن لم يضبطها تناقضت عليه الفروع واضطربت.
No comments yet. Be the first to share your thoughts!